Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

الفن الثامن

 

 

 

                   أعترف لكم بداية أن ثقافتي الفنية ليست من المستوى الرفيع وإن كنت أمتلك الحس الفني الرفيع. لذلك لاتلوموني على عدم إلمامي بجميع الأسماء أو الأعمال الفنية التي تزخر بها حياتنا العربية هذه الأيام. أنا اليوم أتحدث عن فن آخر غير الذي تعرفون. لقد سمعت كثيراً في الأجهزة الإعلامية عن مختلف الفنون المحترم منها وغير المحترم ولقد شد انتباهي أن هناك فن واحد من بين كل تلك الفنون له صفة ملاصقة. إنه مايسمونه الفن السابع الذي أظنه فن السينما والذي هو أشهر الفنون في هذا العصر. وبعد قليل تساؤل عن نعته هو بالذات بذلك الترتيب توصلت إلى نتيجة أرجو أن لا أكون بها مخطئاً ألا وهي أن ذلك الفن هو آخر تلك الفنون ترتيباً وليس أهمية حتى لا يغضب علي الكثير ممن أدمنوا ضيافة هذا الفن الشهير يومياً في البيوت من خلال شاشات التلفاز أو أسبوعياً من خلال شاشات السينما. وقادني هذا الاستنتاج إلى أن أسمي ما أود أن أخبركم به اليوم بالفن الثامن احتراماً للترتيب المتبع.

            أشعر وكأن الشوق قد اشتد بكم لمعرفة هذا الفن الجديد فلا تتسرعوا. إنه فن تزخر به بلادنا العربية بلا استثناء ويزدهر أكثر كلما ضعفت الإمكانية. إنه فن يجيده من قسا قلبه وماتت مشاعره وجحد أهله. إنه فن قائم على طرفين كلما أجاد طرف وأبدع كلما عانى طرف وأصبع. هل عرفتموه؟!!!!  إنه فن التعليق والتغطيس. إنه فن اللكم والرفس. إنه فن نزع الأظافر وخصلات الشعر. هل عرفتموه؟!!! أنه فن الكهرباء والماء. إنه فن حرمان النوم ونوم الحرمان. إنه فن التعذيب والإذلال. إنه فن السجون والزنازين.

           لقد وجد هذا الفن بيئة خصبة في وطننا العربي الكبير فنما وترعرع حتى تميزنا به ووصلنا للعالمية وكتاب جينيس للأرقام القياسية وتقارير منظمة العفو وحقوق الإنسان الدولية. ولم يقف عندنا هذا الفن حد التقليد والتنفيذ بل تعداه إلى التفنن والإبداع ، وأصبحنا على غير العادة مصدرين لا مستوردين ، وتحولت السجون والمعتقلات إلى جامعات ومسارح لهذا الفن غير النبيل. ويتسابق المتسابقون في هذا المجال لينالوا الرضى والقبول لدى أصحاب المصالح والسلطة والنفوذ. لعلهم كانوا قد درسوا هذا الفن قبل أن يدرسوا علوم السياسة والأمن في كلياتهم وجامعاتهم. ويزدهر الفن الثامن في الوقت الحاضر أكثر ما يزدهر في أراضينا الفلسطينية المحتلة على أيدي السلطة الفلسطينية ففاقوا قرنائهم وتفوقوا على أساتذتهم ومعلميهم. كأنما كان ينقص الشعب المعذب من أعتى قوى الظلم والاستبداد والعنصرية في التاريخ الحديث أن يضاف إلى عذابهم ذلك العذاب الجديد الذي هو أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند كما قال الشاعر:

       وظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضةً                     على النفس من وقع الحسام المهنًّدِ

       ولقد أجاد الجلادون وأبدعوا في تعذيب شعبهم وذويهم فلم يبخلوا عليهم بما جاد به خيالهم المريض المهووس من أنواع وأساليب جديدة تكفل لهم المتعة ولغيرهم التشتت والجنون والضياع. ولأن الحاجة هي أم الإختراع فقد أخترعوا الكثير من الأجهزة والأوضاع التي لم تخطر ببال الذين من قبلهم وكان نجاحهم في هذا النوع من العلم كبيراً فتخرج على أيديهم من القتلى الشهداء والمعاقين والمخبولين العدد الكثير هذا إذا خرجوا أصلاً. ولقد حصلوا على شهادات تفوقهم من كل المؤسسات الدولية والإنسانية فلا يكاد يخلوا أي تقرير إنساني حول حقوق الإنسان من ذكر لهم ومن ضحاياهم من شعبهم دمهم ولحمهم.

       والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هو لماذا كل هذا؟!! لماذا هذا التسلط والقسوة ضد الأهل والعشيرة؟!! إن المعارضة الساسية والرأي السياسي هو حق مقدس من حقوق الإنسان تكفله كل الشرائع السماوية والوضعية ، فلماذا يحرم منه من حرم الأرض والوطن والمأكل والملبس والحرية والكرامة؟!! ويلقى في الزنازين والمعتقلات من لا يريد أن يصفق للسلطة حتى لو لم يمتلك رأياً سياسياً معارضاً أو غير معارض. فإلى متى هذا الإضطهاد والإستبداد؟!! إلى متى الإرهاب وكبت الحريات؟!! هل من العدل أن يتعرض الإنسان للعذاب حتى الموت أو الجنون بسبب أيمانه برأي أو بعقيدة لا تروق لأصحاب النفوذ؟!! إلى متى الصمت العاجز وإلى متى السكوت على حكم الدكتاتوريات التي تتشدق بالديموقراطية؟!! لقد ظن الشعب الفلسطيني أنه قد عانى على يد عدوهم الصهيوني أشد أنواع العذاب حتى ذاق عذاباً غير العذاب وأدرك أن عدوهم كان بهم أرحم.